محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
94
الروض المعطار في خبر الأقطار
فهدمها الطوفان وبقيت مهدمة إلى مدة إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام فأمرهما اللّه تعالى ببنيانها فتعاونا على بنائها . ومياه مكّة زعاق لا تسوغ لشارب وأطيبها ماء زمزم وهو شروب لا يمكن إدمان شربه ، وليس لصاحب مكة عسكر خيل إنما هم الرجالة تسمى الحرابة . ولمكة موسمان ينفق فيهما كل ما جلب إليها ، أحدهما أول رجب ، والثاني موسم الحجيج ، ولأهلها أموال فاشية ولا زرع بها ولا حنطة إلا ما جلب إليها من سائر البلاد . والتمر يأتي إليها كثيرا مما حولها والعنب يجلب إليها من الطائف . ومن مكة إلى المدينة على الجادة نحو عشر مراحل « 1 » . وعن وهب بن منبه قال : إن اللّه تعالى لما أهبط آدم عليه السّلام إلى الأرض حزن واشتدّ بكاؤه على الجنة فعزّاه اللّه تعالى بخيمة من خيام الجنة فوضعها له بمكة في موضع الكعبة وكانت الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة فيها قناديل من ذهب ونزل معها الركن وهو ياقوتة بيضاء وكان كرسيا لآدم عليه السّلام يجلس عليه ، فلما كان الغرق زمن نوح عليه السّلام رفع ومكثت الكعبة خرابا ألفي سنة حتى أمر اللّه تعالى إبراهيم عليه السّلام أن يبني بيته فبنى هو وإسماعيل البيت ولم يجعلا له سقفا وحرس اللّه تعالى البيت بالملائكة ، والحرم مقام الملائكة يومئذ ، وهو أول بيت وضع للناس ، وبنته قريش قبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بخمس سنين . وفي خبر آخر أن البيت انهدم بعد إبراهيم عليه السّلام فبنته العمالقة ثم انهدم فبنته جرهم ثم انهدم فبناه قصي بناء لم يبن أحد مثله ثم احترقت « 2 » الكعبة واحترق الركن الأسود وضعفت جدرانها حتى إن الحمام ليقع عليها فتتناثر حجارتها ، ففزع أهل مكة لذلك والحصين بن نمير محاصر لابن الزبير رضي اللّه عنهما ، فهدمها ابن الزبير بعد مشاورة الناس واختلافهم عليه ، فلما أراد هدمها خرج أهل مكة إلى منى خوف أن ينزل العذاب وما اجترأ على هدمها أحد ، فعلاها ابن الزبير بنفسه وأخذ المعول وجعل يهدمها ويرمي حجارتها ، فلما رأوا أنه لم يصبه شيء اجترءوا وهدموا وأرقى ابن الزبير رضي اللّه عنهما عبدا من الحبش يهدمها رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشي الذي روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يخرب الكعبة ذو السّويقتين من الحبشة » ، فما ترجلت الشمس حتى ألحقها كلها بالأرض . وقال ابن الزبير رضي اللّه عنهما : أشهد لسمعت عائشة رضي اللّه عنها تقول : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن قومك استقصروا في بناء الكعبة وعجزت بهم النفقة فتركوا في الحجر أذرعا ولولا حداثة عهد قومك بالكفر لهدمت الكعبة وأعدت ما تركوا منها ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض ، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها ؟ » قالت ، قلت : لا . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « تعززا لئلا يدخلها إلا من أرادوا فكان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد يدخل دفعوه فسقط فإن بدا لقومك هدمها فهلمي لأريك ما تركوا في الحجر منها » فأراها قريبا من سبع أذرع ، فلما هدمها ابن الزبير رضي اللّه عنهما وسواها بالأرض وكشف عن أساس إبراهيم عليه السّلام وجد داخلا إلى الحجر نحوا من ست أذرع وشبر كأنه أعناق الإبل آخذ بعضها ببعض كتشبيك الأصابع تحرك الحجر من القواعد فتتحرك الأركان كلها ، فأشهد ابن الزبير رضي اللّه عنهما الناس على ذلك الأساس وأدخل بعضهم عتلة في ركن من أركان البيت فتزعزعت الأركان كلها ورجفت مكة رجفة شديدة حين تزعزع الأساس وخاف الناس خوفا شديدا حتى ندم من أشار على ابن الزبير بهدمها وسقط في أيديهم ، ثم وضع ابن الزبير رضي اللّه عنهما البناء على ذلك الأساس ، ولما قتل ابن الزبير رضي اللّه عنهما ودخل الحجاج مكة كتب إليه عبد الملك ان ابن الزبير قد زاد في بيت اللّه ما ليس فيه وأحدث بابا آخر ، فهدم الحجاج منه ستّ أذرع وشبرا مما يلي الحجر وبناها على أساس قريش ، وآخر من زاد في الكعبة أمير المؤمنين المهدي سنة أربع وستين ومائة فهو على ذاك الآن ، وهذا باب يتسع القول فيه فليقتصر على هذا القدر . بلنجر « 3 » : مدينة في بلاد الروم شهد فتحها جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم ، قال زهير بن القين البجلي : غزوت بلنجر وشهدت فتحها فسمعت سلمان الفارسي رضي اللّه عنه يقول : أفرحتم بفتح اللّه تعالى عليكم فإذا أدركتم شباب آل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فكونوا أشد فرحا بقتالكم معهم ، فلما سمع زهير بخروج الحسين بن علي رضي اللّه عنهما تلقاه فكان في جملته وقتل معه بكربلاء ، وكان عمر رضي اللّه عنه جعل سلمان بن ربيعة الباهلي ، وهو الذي كان يلي لعمر رضي اللّه عنه الخيل وهو سلمان الخيل ، على مقاسم مغانم
--> ( 1 ) إلى هنا ينتهي النقل عن نزهة المشتاق . ( 2 ) البكري ( مخ ) : 71 . ( 3 ) انظر ياقوت ( بلنجر ) وفتوح البلدان : 240 ، والطبري 1 : 2289 .